محاولات فهم الطبيعة البشرية بقلم: تهاني عدس

محاولات فهم الطبيعة البشرية
بقلم: تهاني عدس
تتعدد المحاولات والاجتهادات لفهم طبيعة البشر لتسهيل التعامل معهم والعيش المشترك بسلام.
يميل البعض إلى تشبيههم بالزهور، معتقدين أن كل إنسان يمثل وردة بخصائصها ورائحتها المميزة، قد تزهر في أوقات مختلفة من الحياة. هذا التشبيه عميق، فهو يبرز الأثر الطيب للآخرين، ويتسم بالرقة والتنوع والجمال، ويمنح إحساسًا بالبهجة والأمل.
بينما يشبههم آخرون بالبحار؛ فمنهم الهادئ الذي يبعث السكينة والاستقرار، ومنهم المضطرب الذي يعشق التحدي والقوة. كلاهما يحمل أسرارًا ومشاعر عميقة قد لا يبوح بها. إن طبيعة البشر وأحوالهم وأمزجتهم تتقلب كتقلب البحر بين الهدوء والعاصفة.
يُعد البحر مصدر إلهام للأدباء والشعراء في عالم الأدب؛ فقد وصفه أحمد شوقي بمهد الحكمة والعبقرية، بينما استخدمه آخرون رمزًا للعظمة والمهابة. وتشبه الحياة رحلة بحرية تتسم بالمغامرة والغموض والتجربة والاستكشاف.
كما شبّههم المثقفون بالكتب، وهي استعارة بليغة تحث على قراءة المحتوى بعمق وفهمه، وتجنب الحكم السطحي عليه من غلافه، فالكتب تتنوع بين العميق والنادر ذي القيمة العالية وبين ذي المحتوى الرديء.
وينطبق هذا التشبيه على البشر أيضًا؛ فمنهم من يسر الأنفس بجمال وروعة المظهر الخارجي، لكن خلف هذا الشكل الجميل قد يختبئ سوء الخلق. وآخرون قد يبدو مظهرهم بسيطًا لكن جوهرهم مدهش. لذلك، فإن الحكم على الأمور بالمظاهر يوقعنا في فخ المخادعين والمتلاعبين وعديمي الضمير؛ فالجوهر أهم بكثير من الشكل الخارجي.
أما نحن، الخياليون، فربما ندعوك لتنطلق بخيالك بعيدًا عن المألوف، إلى فضاء غير محسوس لا تراه العين، في محاولة لفهم أدوار البشر ومكانتهم في الحياة.
انظر إلى الشمس، وهي تتوسط مجرتها، وتدور حولها الكواكب في مدارات محددة، فتمدهم بالطاقة والضوء والنشاط والحيوية. هي تُمثل أعظم البشر؛ أولئك الذين يتمتعون بمهارات القيادة الفطرية، كأنهم خُلقوا ليعلِّمونا الالتزام وإنجاز المهام على أتم وجه، فوجودهم يضيء حياتنا ويمنحنا الدفء والقوة.
أما الأقمار، فتعكس أشعة الشمس ولا تضيء بذاتها. هؤلاء يمثلون أولئك الذين تتألق وجوههم نورًا يملأ حياتنا بالجمال والرقة، فهم أهل الصفاء الروحي، يقدسون الحب وينشرونه بين الناس.
وهناك أيضاً الأرضيون الواقعيون، الذين تتسم شخصياتهم بالصلابة والثبات كالجبال. تبدو المشاعر غائبة عنهم؛ فبالنسبة لهم، يقتصر مفهوم الحب على توفير سقف الأمان وطعام يكفي على المائدة. إنهم يدركون تفاصيل الحياة جيداً، وكأنهم تلقنوا منذ الصغر دروساً في إدارة الشؤون اليومية بكفاءة عالية. يبرعون في عملهم ويحسنون التصرف في مختلف المواقف، ولذلك غالباً ما يدوم زواجهم طويلاً، فهم الأكثر قدرة على توفير الاستقرار.
أما نبتون، أصغر الكواكب وأبعدها طرفاً في المجرة، فهو كائن منسي لا يلتفت إليه أحد، ولا يُعرف الغرض من وجوده. يمثّل هذا النوع من البشر، الهادئين والصامتين، الذين يشبه حضورهم لفحة برد قارس. لا ندرك سبب وجودهم، ولكن لحكمة ما، لو اختفوا لاختل النظام الكوني ولساد الشر وازداد الأذى.
فمنهم العارفون بالله حقاً، وأصحاب الحكمة، وصناع السلام. لا يستهويهم السلطة أو الجاه، وكل ما يطمحون إليه هو أن يعبروا بيننا بسلام، بعيداً عن الإضرار أو التعرض للضرر.
من خلال هذا التشبيه، نسعى لربط العالم السماوي المثير للإعجاب والدهشة بالعالم البشري الذي يثير الفضول والتأمل. لقد خلق الله كل شيء بإتقان؛ فخلق فضاءً واسعًا يتجاوز استيعاب عقولنا المحدودة، وخلق النفس البشرية العميقة ذات الأبعاد الروحية والنفسية التي يصعب فهمها بالكامل. خلقها سوية، لكنها مهيأة للخير والشر معًا.
لذا، تظل محاولات فهم البشر مجرد اجتهادات، وفي نهاية المطاف، قد نكتشف أننا لم نفهم شيئًا بعد.






