حرق الكتب .. بقلم/ الزهرة العناق

الكتب ليست أوراقًا مرصوصة، ولا أحبارًا منثورة فوق السطور، بل هي أرواح تنبض بالحكمة، و جسور تعبر بنا من ضيق الجهل إلى سعة المعرفة. وحين تمتد يد لتحرق كتابًا، فإنها لا تحرق الورق فحسب، بل تغلق نافذة كانت تطل على النور، و تطفئ شمعة كانت ستنير الطريق للأجيال القادمة، و تخنق صوتًا كان سيوقظ الضمائر.
يعتبر حرق الكتب جريمة فكرية قبل أن تكون فعلًا ماديا، وهو إعلان عجز أمام قوة الكلمة التي لا يطفئها الرماد.
حين يقدم “الكبير” على إحراق الكتب، فإنه يوجه رسالة صادمة إلى الأجيال القادمة: أن الفكر خطر، و السؤال جريمة، و البحث عن الحقيقة ذنب.
كيف نلوم الصغار إذا انغلقوا على الجهل، ونحن من نرسم أمامهم مشهدا يحول المعرفة إلى رماد؟!
إن حرق الكتب لا يوقف الأفكار، لكنه يشعل في الصدور شغفا أعظم بالبحث عنها. فالفكرة لا تسجن، ولا تطفأ بنار، بل قد تزداد سطوعًا كلما حاول أحدهم محاصرتها. ولعل التاريخ أكبر شاهد على ذلك؛ فكم من كتب أُحرقت، لكنها عادت لتقرأ بلهفة، وكم من مؤلفات صودرت، فإذا بها تنتشر أكثر مما أراد أعداؤها.
إن أخطر ما في حرق الكتب أنه لا يقتصر على الورق، بل يمتد إلى النفوس، فيزرع الخوف في العقول، و يحول الأجيال إلى أسرى الصمت و التبعية. فما أتعس أمة تخشى الكتب، وما أبهى أمة تعانقها وتنشئ أبناءها على عشقها.
حرق الكتب هو حرق للذاكرة و إعدام لصوت الإنسان الحر، وخيانة لحق الأجيال في النور. إذا كان الكبير قدوة في الأفعال قبل الأقوال، فإن إشعال النار في كتب الفكر لا يعلم الصغار سوى أن المعرفة عدو، و الحرق سبيل النجاة. وما أقسى هذه التربية!
لنصن الكتب، فهي ليست جمادًا يحترق، بل كائن من نور، لا يطفئه إلا موت الضمائر.




