البحث عن الذات بعد سنوات من العطاء للآخرين

بقلم د. هبة الله ادريس
تمنح المرأة كثيرًا من عمرها في العطاء؛ تعطي من وقتها، وجهدها، ومشاعرها، وتضع احتياجات من حولها في مقدمة أولوياتها. تكون حاضرة دائمًا حين يحتاجها الآخرون، تسمع، وتساند، وتتحمل، حتى يصبح الاهتمام بالجميع عادة لا تفكر في ثمنها.
لكن يأتي وقت تتوقف فيه وتسأل نفسها: أين أنا من كل هذا؟ أين أحلامي التي تأجلت؟ ومتى كانت آخر مرة فعلت فيها شيئًا لأجلي أنا فقط؟
البحث عن الذات بعد سنوات من العطاء ليس أنانية، بل هو محاولة لاستعادة جزء من النفس ضاع وسط المسؤوليات. فالإنسان مهما كان محبًا ومعطاءً يحتاج إلى مساحة خاصة يشعر فيها بأنه أكثر من مجرد دور يؤديه في حياة الآخرين؛ فهو ليس فقط أمًا أو زوجة أو ابنة أو صديقة، بل إنسانة لها أحلامها وشغفها واحتياجاتها.
كثير من النساء يكتشفن بعد سنوات أنهن كن يعرفن تفاصيل حياة الجميع، لكنهن ابتعدن عن معرفة أنفسهن. اعتدن أن يسألن: ماذا يحتاج الآخرون؟ ماذا يريدون؟ كيف أجعلهم بخير؟ ونسين السؤال الأهم: ماذا أريد أنا؟
العودة إلى الذات لا تعني التخلي عن من نحب، بل تعني أن نمنح أنفسنا نفس الاهتمام الذي منحناه للآخرين. أن نتعلم قول “لا” عندما يكون العطاء على حساب راحتنا، وأن نسمح لأنفسنا بالراحة دون شعور بالذنب، وأن نعيد اكتشاف الأشياء التي كانت تمنحنا السعادة قبل أن تزدحم الحياة بالمسؤوليات.
فالعطاء الحقيقي لا يأتي من شخص أنهك نفسه، بل من إنسان يعرف قيمته ويحافظ على توازنه. ومن حق كل شخص أن يجد نفسه من جديد، مهما طال الوقت، ومهما ظن أنه تأخر.
ربما لا تكون رحلة البحث عن الذات سهلة، لكنها رحلة تستحق أن تبدأ؛ لأن الإنسان حين يعود إلى نفسه لا يخسر من حوله، بل يصبح أكثر قدرة على منح الحب والاهتمام بطريقة صحية وصادقة.






