أخر الأخبار

(بقلم مؤرخ من عام ٢٢٥٨م).دشيرين شيحه 

(بقلم مؤرخ من عام (٢٢٥٨م))

بقلم دشيرين شيحه

عنوان الكتاب :استنساخ المغول: تاريخ الحروب في ألف عام.

تاريخ النشر : عام ٢٢٥٨م

مقدّمة المؤلف

أكتب كلماتي هذه على وعاءٍ من ضوء؛ شاشةٍ شفافة تُشبه الماء، تحفظ الذاكرة عن طريق النبض، وتسمح بتنقيح الفكرة دون الحاجة إلى محوها ..ومع ذلك، أشعر وأنا أدوّن بثقلٍ قديمٍ في يدي، كأنني أحمل تاريخ القلم بين أصابعي..

 

أكتب لأن التاريخ، بعد ألف عام من سقوط بغداد، ما زال يصرّ على طرح نفس السؤال :

كيف يُستنسخ الشر ،وكيف يعيشُ الخراب؟

 

في فجرٍ بغداديّ مثقلٍ بالتوجس، كان المستعصم بالله يطلّ من شرفات قصره، لا يرى في الأفق سوى نهرٍ هادئ وسورٍ يظنه عصيًّا على الاختراق.. لم تكن بغداد يومها مجرد مدينة.. كانت ذاكرة العالم، والكتاب الحاوي لكل منجزات الحضارة في ذلك العصر..

كانت الخطى الثقيلة تقترب، خُطى لا تعرف معنى التحضر ولا قيمة الكتب.. خطى تدوس في طريقها كلَّ جمال وأي معنى..

في عام (١٢٥٨م) دخل المغول بغداد بخيلٍ خطواتها لا تعرف التردد وسيوفٍ ضرباتها لا تعرف الرحمة ولا تُميز بين البشر والشجر والحجر.. لا تُفرّق بين صغير وكبير ولا رجل وامرأة.. كانوا صريحين في عنفهم، بدائيين في قسوتهم، لا يتجمّلون بفلسفة ولا يختبئون خلف خطاب. أحرقوا، قتلوا، وأغرقوا الكتب في النهر.

وكان في المقابل خليفةٌ صدّق أن الأمة ستهب لنجدته ، وأن العدو يمكن استرضاؤه بالكلمات، فخرج المستعصم، ومعه أبناؤه، ومعهم وهمُ النجاة.

حين سقط المستعصم بالله، لم يكن سقوطه نتيجة ضعف القوة وحده، بل نتيجة وهمٍ قاتل اسمه الاطمئنان بالمجد القديم والسلطة .. ظنّ أن التفاوض مع القوة الظالمة يُنقذ العرش، وأن الكلمات يمكن أن تُجدي مع من لا يعترف بقيمة العقل .. فعاد التاريخ يكتب سطوره بالدم.. لم يُقتل الخليفة فقط، بل قُتلت معه هيبةُ الخلافة، قُتلت أيضا فكرة أن الشر يمكن التفاهم معه وأن المهادنة قد تنقذ المُلك..سُحقت الخلافة تحت سنابك الخيل، وسُحقت معها بغداد، لا لأن سورها واهٍ، بل لأنها تُركت وحيدة.

 

من يقرأ تلك الصفحة اليوم يهزّ رأسه أسفًا- كما فعل من لحقوهم وسبقونا – ويقول بثقة المتأخر: كيف كانوا سذّجًا لهذه الدرجة ؟!

ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شكل الشر، لكنه لم يتغير في جوهره..

مخطئون من يظنون أن المغول رحلوا ،هم لم يرحلوا؛ لقد تعلّموا فقط كيف يتكلمون لغة العصر..

الحروب على العالم العربي منذ اجتياح المغول لبغداد وإسقاط الخلافة العباسية اتخذت أشكالا عدة :

الحروب الصليبية المتأخرة.. الاستعمار الأوروبي..

الحروب العالمية وتقسيم المشرق.. قيام إسرائيل والحروب العربية الإسرائيلية .. غزو العراق.. حروب داخلية بتدخل غربي مباشر أو غير مباشر.. تدمير غزة بدعم غربي..

حين أصل في هذا الكتاب إلى مشهد غزة، أشعر أنّ اللغة نفسها ترتجف

ليس لأن الدمار كان أعظم من دمار بغداد، بل لأن الفعلة —للمرّة الأولى—كانت مرئية على الهواء مباشرة، ومع ذلك لم يتحرّك أحد..

 

بعد أكثر من سبعمائة وستين عاما على سقوط بغداد، لم تُدمَّر عاصمة الخلافة من جديد، بل دُمِّر الضمير وكل معنى للحق والخير والجمال والعدالة الإنسانية وضعه البشر في صرح الحضارة..

 

لم تكن غزة مدينة محتلة ، كانت اختبارا إيمانيا وأخلاقيًا جديدا للأمة العربية..

وحين دُمرت، لم تسقط لأنها ضعيفة، بل لأنها تُركت وحيدة..

كانت الأمة في ذلك الزمن كثيرة العدد، غنية الموارد، عالية الصوت في الخطب، لكنها منقسمة في القرار.. مشوهة الوعي.. خائفة من تكلفة التصدي..

لم يكن العجز عسكريًا بقدر ما كان عجزًا عن الاتفاق على معنى الكرامة.

كل دولة كانت تملك سببًا للسكوت،

وكل سبب كان يُقدّم على أنه حكمة،

حتى تراكمت الحكم، فصارت معاهدة خيانة موقعة من الجميع..

اليوم وبعد ألف عام من سقوط بغداد وبعد أكثر من مئتي عام على تدمير غزة نكتب :

لم تُهزم الأمة لأنها ضعيفة، بل لأنها فقدت قدرتها على الغضب لكرامتها..

 

أما العالم، فقد كان موقفه أكثر قبحا من الصمت؛

لم يكن موقفا ناتجًا عن الجهل ،بل عن الرهبة..

كانت هناك قوة واحدة—في ذلك الزمن—يكفيها أن ترفع حاجبًا سياسيًا أو تُلوّح بعقوبة حتى تُعاد كتابة المواقف..

رأينا دولًا ملأت الدنيا بالحديث عن حقوق الإنسان،

لكنها فقدت القدرة على استخدامها حين أصبح لذلك ثمنا لابد أن تدفعه..

 

رأينا مثقفين يكتبون آلاف الصفحات عن الحريات

ثم يصمتون أمام مدينة تُمحى من الخريطة..

 

لم يكن العالم متواطئًا دائمًا.. كان—في أحيان كثيرة—مذعورًا..

والخوف حين يتحوّل إلى قوة

يُنتج شهودا بُكمًا..

 

في بغداد، أُحرقت الكتب لأن المغول كانوا يكرهون المعرفة،

في غزة، تُركت الجثث تحت الأنقاض لأن العالم خاف من تبعات المعرفة..

في بغداد كان العدو صريحًا في عدوانه..

في غزة كان العدو محميًا بسرديات كاذبة صدّرها للعالم الذي صدّقها ثم طالب الضحية بإثبات براءتها..

 

كان عدد المسلمين في ذلك الزمن هائلا ولكنه كمٌ بلا أثر..

كانوا متدينين في ظاهر الشعائر، منفصلين عن جوهر الدين..

غاضبين بالكلام، مبررين لغياب الفعل..

يتعاطفون بالقلوب، ويخشون ثمن المواقف..

يملكون الجيوش، لكنهم لا يملكون إرادة تحريكها..

يتحدثون عن الحكمة فقط لتأمين السلامة الشخصية..

كثر الوعظ، وقلّ الاستعداد للتضحية..

كان القرار يمنعه الخوف.. خوف من العقوبات.. خوف من العواقب.. خوف من العزلة..

فقدّموا الاستقرار على العدل،والبقاء على الكرامة..

كانت المجتمعات العربية منهكة، مشغولة بنفسها أكثر من انشغالها بقضيتها في الحرية والعدالة..

 

وبعد قرون، لم يعد الغزو يحتاج إلى الخيل والسيف

ولا الأسلحة والقنابل..

فالمغول الجدد لم يحرقوا المكتبات، بل أعادوا كتابة المعرفة من منظورهم الخاص .. لم يقصفوا المدن، بل جعلوها تنهار ذاتيا.. لم يُسقِطوا العروش ، بل جعلوا الحكم وظيفة تُسحب ممن يتجرأ ويخرج عن النص.

كانوا يتحدثون عن النظام الدولي والشرعية.. الأمن والاستقرار

وكلها معان سامية ولكنهم استخدموها كما استخدموا السيف قديمًا..

إن السياسة حين تُفصل عن القيم

إن السياسة حين تُفصل عن القيم والأخلاق تصبح أداة أنيقة للمجازر..

 

في سجلات القرن الحادي والعشرين

نقرأ عن أممٍ لم تُغزَ، لكنها تنازلت..

عن شعوبٍ لم تُهزَم عسكريًا، لكنها هُزِمت نفسيًا..

عن مثقفين دافعوا عن الرضوخ والتبعية بحجة الواقعية..

لقد انتقل اامغول الجدد من الغزو المباشر إلى التفكيك السياسي وإدارة الصراع عن بُعد..

 

نحن، أبناء عام ( ٢٢٥٨) ننظر إلى سقوط بغداد فنراه لحظة عارٍ تاريخي،

ونقرأ اليوم وثائق القرن الحادي والعشرين، فنرى المشهد نفسه مكررًا بلغة أخرى..

 

نكتب عن الذين عايشوا ذلك الزمن كما كتب أسلافهم وكتبوا هم عمّن عاشوا زمن المستعصم:

 

لم يكونوا أشرارًا، ولكن سمحوا بصمتهم للشر أن يتكلم..

لم يكونوا ضعفاء، ولكن آمنوا بما صُدّر لهم عن ضعفهم فلم يجربوا قوتهم..

لم يسقطوا بإرادة واعية ، بل سقطوا لأنهم استدرجوا للتنازل خطوة خطوة.

في عصرهم تقدّمت التكنولوجيا لترصد وتسجل على الهواء مباشرة موت الضمير.

 

كل جيل يظن أن المغول رحلوا،

حتى يكتشف—متأخرًا—أنهم لم يرحلوا،

بل كانوا فيروسات متحورة في الجينات البشرية.

 

هذا الكتاب ليس إدانة للماضي،

بل إعادة صياغة لواقعه بعين محايدة خارجة عن إطار الصورة..

 

إن ما تغيّر عبر ألف عام، ليس فقط شكل الحرب، بل قدرة العالم على تبريرها أيضا..

 

الحروب التي حدثت بعد ذلك كانت

حروب موارد (ماء، طاقة، غذاء) .. حروب سيبرانية وإعلامية.. حروب داخلية.. صراعات هوية وحدود وإعادة رسم للخرائط..

 

ولم ينتصر العرب حين صاروا أقوى سلاحًا،

بل حين صاروا أوضح رؤية..

الجيل الذي استعاد القدس لم يرث الهزيمة كما ورثها آباؤه، بل ورث الأسئلة المصيرية واستطاع الإجابة عنها بشجاعة.. أدرك أن العدو الخارجي لا يُهزم إلا بعد هزيمة الانقسام الداخلي، وأن القدس لا تعود بالخطب، بل بتغيير الإنسان الذي يخطب..

تغيّر هذا الجيل لأنه أعاد اعتناق الدين كمنهج حياة لا كشعار.. جعل العلم أولوية .. كسر تبعية القرار فاستطاع كسر الحصار.. امتلك ذاته قبل امتلاك السلاح..

لم يكن انتصاره صدفة تاريخية ، بل كان نتاج سنوات وسنوات من الاجتهاد والجهاد..

وحين عادت القدس،

أعادت للتاريخ ثقته في قدرات هذه الأمة؛

فحتى وإن سقطت ألف مرة ، فهي قادرة —إذا صلحت—أن تنهض مرة أخرى..

 

بقلم مؤرّخ من عام ( ٢٢٥٨م)

 

د. شيرين شيحه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى