نادية هارون تكتب:حين سقطتُ في بركة السبع

منذ أن فقدتُ الذاكرة في وقتٍ سابق، صارت الذكريات لا تعود دفعةً واحدة، بل تأتي متقطعة، على فترات، كأنها تختبر قدرتي على الإحتمال، وبين الحين والآخر، يطفو موقف من زمن بعيد، واضحا على نحوٍ مقلق، كأنه لم يغادرني أصلا، من هذه المواقف تلك الواقعة التي تبدو في ظاهرها طريفة، بينما في عمقها كاشفة ومربكة.

منذ سنوات لم أزر بلدتي قرابة خمس سنوات، وخلال أجازتي لمصر قررت فجأة أن أذهب لرؤية الأهل، كنت مرهقة، مستنزَفة، وقد جافاني النوم أياما، ركبت السوبر جيت، طلبت الجلوس في المنتصف، وإنطلق الباص، تابعت الطريق قليلا، ثم غفوت.

وربما كانت تلك المرة الأولى التي أنام فيها في مواصلات، حتى في سفراتي بالطائرة لم أغفُ قط، لا أدري كم من الوقت مر، وفجأة شعرتُ بإهتزاز في الباص فأفقت، نظرت عن يميني، ففاجأتني يافطة سرعان ما إختفت، كُتب عليها “بئر سبع”.

تسارعت ضربات قلبي على نحوٍ مفزع، شعرت بها تتلاحق، ترتفع، تضرب صدري بعنف حتى خُيّل إليّ أن القلب سيتوقف، حاولت أن أستيقظ، أن أوقظ نفسي، أن أخرج من المشهد بأي طريقة، قلت في داخلي هذا حلم، ثم تداركت الفكرة فورا، لا، ليس حلما، بل كابوس مزعج، بئر سبع؟ كيف؟ ومتى؟ وأين أنا؟ هل أخطأت الباص؟ أم أن الإرهاق شوّش إدراكي؟ بدأت أستعرض المشهد بعين مرتابة، موقف الترجمان ليس به باصات إلى هناك، والحدود ليست بهذا الغياب، ومع ذلك لم أرَ حواجز، ولا نقاط تفتيش، ولا حتى سؤالا عن الهوية، كل شيء بدا ساكنا، على نحو مريب نظرت حولي.

نظرت إلى رفاق الطريق، عدد محدود من الركاب في الأمام، جميعهم نيام، لا أحد بجواري، ولا في المقابل، ولا خلفي، ولا حتى أمامي من قريب، عدت أنظر للطريق، قلت لنفسي.. تلك البنايات تشبه بنايات مصر، ثم أجبتني.. نحن عرب، مشاربنا وثقافتنا واحدة.

وفجأة رأيت منزلا على الطريق، كان في طور الإنشاء، قد هُدم، لكن أعمدته وسقفه ما زالت متماسكة، لم يكن هدما بفعل قنبلة أو صاروخ، إنتبهت إلى أحد الركاب يتحدث عبر الهاتف المحمول، كثير من مفرداته إيطالية، والبعض الآخر لهجة عربية لم آلفها، تساءلت: هل هو يهودي إيطالي؟ وحين هدأ الباص قليلا، التقطتُ كلمة واحدة من لوحة سيارة “الغربية”، ماذا؟ الغربية؟ الضفة الغربية؟
عاد القلب يطرق بعنف، أدركت أن الذهن المُرهق يقفز سريعا إلى أسوأ الإحتمالات، وأن السياسة حين تتراكم في اللاوعي تتحول إلى فزع جاهز للإستدعاء.

نهضت وسألت السائق: أين نحن؟ سألني بهدوء: رايحة فين؟ قلت في نفسي.. لا تُفصحي، لا تمنحي الكابوس فرصة للتمدد ثم قلت.. معاك للآخر، بس من شوية قرأت يافطة مكتوب عليها “بئر سبع”، ضحك السائق وقال بثقة: تقصدي بركة السبع.

ساد صمت قصير، ثم إنفجرتُ في الضحك، بدأ الركاب في المتابعة، ضحك الركاب، ضحك السائق، وضحك القلب أخيرا بعدما نجا من توقف وشيك، إستعاد جسدي وظائفه الحيوية، وحين إستعدتُ وعيي بالكامل، أطلقتُ العنان لمخيلتي لثوانٍ، تخيّلت – بسذاجة من يجرّب الحلم – أن الاحتلال إنتهى، وأن الحواجز رُفعت، وأن الطرق فُتحت، لا بقرار أمني بل بإرادة عدل، وأن العبور صار حقا لا إستثناء.

لكن الواقع كان أسرع من الخيال، فالاحتلال لم ينتهِ، بل يتقن إدارة التسلط، والحواجز لم تُرفع، بل أُعيد تعريفها، والطرق لم تُمهَّد للناس، بل للسيطرة، والحدود لم تختفِ، بل إنتقلت من الأرض إلى الوعي، حيث صار الإسم وحده كافيا لإطلاق الإنذار.

أدركتُ أن ما حدث لم يكن إلتباسا بريئا، بل إنعكاسا لحالة سياسية ممتدة، تجعل الإنسان يقفز من مقعده عند رؤية يافطة، ويشكّ في الطريق، ويُعيد فحص المكان، عالم تُدار فيه الجغرافيا بالخوف، وتُختزل فيه السياسة في قبضة أمنية، حتى تستقر آثارها عميقا في الرأس، لم أسقط في بئر سبع، ولا عبرت زمنا جديدا، بل سقطتُ في بركة السبع، سقوطا مؤقتا في وهمٍ عابر، أيقظني على حقيقة أكثر مرارة، أن الطريق ما زال طويلا، وأن اليقظة أحيانا .. أوجع من الكوابيس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى