وَصِيَّةُ القَلَم وعتاب السنين 

وَصِيَّةُ القَلَم وعتاب السنين

 

لِمَ العِتَابُ أَيُّهَا القَلَمُ؟ هَل فِي خَطَايَانَا خَطَأ؟

أَمِ السِّنُونَ هِيَ الَّتِي مَضَتْ وَلَم تُبقِ لَنَا صَدَى؟

 

فَقَالَ لِي القَلَمُ وَهُوَ يَكتُبُ:

“إِيَّاكَ أَن تَترُكَ عُمرَكَ يَتَسَرَّبُ مِنكَ كَالمَاءِ بَينَ يَدَيك.

قُلتُ لَهُ: أَنْتَ تَكتُبُ كَلِمَاتِكَ كَأَخرَسَ صَامِتٍ لا يَنطِقُ وَلا يَسمَعُ…

قَالَ: فَالزَّمَنُ لا يَعتَذِرُ، وَالعُمرُ لا يُعَادُ تَدوِيرُهُ، مَهمَا تَمَنَّيت.

 

نَحنُ نَسِيرُ فِي قِطَارٍ.. هَل يَرجِعُ القِطَارُ القَهقَرَى؟ لا يَعُودُ،

وَمَحَطَّاتُهُ لا تَنتَظِرُ التَّائِهِين.

فَلا تَبكِ عَلَى أَبوَابٍ أُغلِقَت، وَلا تَظَلَّ تُنَقِّبُ فِي رَمَادِ الأَمسِ عَن جَمرٍ خَبَا…

المَاضِي مَرَّ، وَمُرُورُهُ يَكفِيكَ دُرُوساً وَعِبَراً وَعَجَباً.

 

أَمَّا اليَومُ فَهُوَ الفُرصَةُ الجَدِيدَةُ.. رُبَّمَا تَكُونُ الوَحِيدَةَ الَّتِي تَملِكُهَا حَقّاً،

فَأَمسِكْ بِهِ كَمَا يُمسِكُ الغَرِيقُ بِطَوقِ النَّجَاة.

اضرِبْ فِي الأَرضِ خُطَاكَ كَأَنَّكَ جِئتَ لِتَبقَى، لِتَعِيشَ، لا لِتَعُدَّ أَنفَاسَكَ فِي صَمت.

ازرَعِ السَّعَادَةَ حَيثُ تَطَأُ قَدَمُكَ، وَامنَحْ قَلبَكَ إِذناً أَن يَنبِضَ لِلحَيَاةِ، لا لِلنَّدَم.

 

فَقَدتُ ثِقَتِي ذَاتَ يَومٍ فِي مَحَطَّةٍ مِن مَحَطَّاتِ الحَيَاة..

تَرَكتُ كُلَّ مَشَاعِرِي فِيهَا، وَوَدَّعتُهَا وَمَضَيتُ،

وَأَغلَقَ القَلبُ أَبوَابَهُ هُنَاكَ عَلَى أَمَلٍ.

 

لَكِنَّنِي رُغمَ ذَلِكَ لا أَزَالُ أَمنَحُ لِكُلِّ مَن حَولِي الطُّمَأنِينَةَ وَالسَّلام..

مَا زِلتُ أَشعُرُ بِالآخَرِينَ وَأُرَاعِي مَشَاعِرَهُم،

مَا زِلتُ أَخَافُ أَن أَجرَحَ أَحَدَهُم بِكَلِمَاتٍ لَم أَقصِدهَا،

مَا زِلتُ أَمنَحُ وَقتِي كُلَّهُ لِمَن يَحتَاجُنِي.

 

أَحيَاناً تُكسَرُ قُلُوبُنَا بِطَرِيقَةٍ مُؤلِمَةٍ لِلغَايَة،

لَكِنَّهَا تَظَلُّ تَفِيضُ حَنَاناً وَطِيبَةً لِكُلِّ مَن حَولَهَا.

فَاقِدُ الشَّيءِ حِينَ يُعطِيهِ.. يُعطِي بِسَخَاءٍ وَبِصِدقٍ،

لا يَشعُرُ بِهِ سِوَاهُ، وَلا يُضَاهِي عَطَاءَهُ عَطَاء.

 

*فَيَا قَلَمِي.. كُفَّ عَنِ العِتَابِ،

*فَمَا فَاتَ مَاتَ، وَمَا هُوَ آتٍ.. آتٍ.

*وَمَا بَينَ كَفَّيَّ الآنَ.. حَيَاةٌ تَستَحِقُّ أَن تُعَاشَ.

 

صباح خالد خالد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى