نادية هارون تكتب: بين الإضافة والانتقاص

تسير حياة الناس والمجتمعات بين طريقين، طريق الإضافة والبناء، وطريق الإنتقاص والهدم، ومن خلال هذين الطريقين يتحدد مصير الأمم، هل تتقدم وتزدهر، أم تضعف وتتراجع مع الوقت.

عندما حاول توماس أديسون إختراع المصباح الكهربائي لم يكن هدفه أن يلغي جهود من سبقوه أو يبدأ من الصفر، بل، إستفاد من كل ما وصل إليه العلماء قبله، ثم أضاف إليه حتى نجح في تقديم إختراع غيّر حياة البشر، وبعده جاء آخرون فطوروا الفكرة نفسها حتى وصلنا إلى المصابيح الحديثة الموفرة للطاقة، وهكذا تتقدم الإنسانية دائماً، فكل جيل يبني على ما تركه الجيل السابق ويضيف إليه شيئاً جديداً، ولهذا قال إسحاق نيوتن “نرى أبعد لأننا نقف على أكتاف العمالقة”.

وهذا المعنى لا يقتصر على العلم فقط، بل نجده في كل مجالات الحياة، فالكاتب لا يخترع لغة جديدة، لكنه يضيف فكرة أو رؤية جديدة تثري عقول الناس ومشاعرهم، والمهندس يبني فوق ما تركه السابقون، لا فوق أرض خالية، وحتى في حياتنا اليومية، فإن أجمل ما يتركه الإنسان هو ما يقدمه لمن حوله من علم أو مساعدة أو محبة أو عمل نافع، فالحياة ليست مكاناً للأخذ فقط، بل هي مساحة واسعة للعطاء والإضافة، وقيمة الإنسان الحقيقية تظهر فيما يتركه من أثر بعد رحيله.

لكن المفارقة المؤلمة أننا بينما نرى الحضارات تتقدم بمنطق الإضافة، نرى كثيراً من الصراعات تقوم على منطق الإنتقاص، فبدلاً من أن يسأل البعض “ماذا يمكنني أن أضيف؟” يصبح السؤال “ماذا يمكنني أن آخذ من غيري أو أمنعه عنه؟”، وهنا تبدأ دائرة الصراع والاستنزاف.

في هذه العقلية يظن الإنسان أنه لن ينجح إلا إذا فشل الآخر، ولن يرتفع إلا إذا أسقط من حوله، ولذلك تُهدر الطاقات في الخلافات والمعارك الجانبية بدلاً من توجيهها إلى البناء والعمل، وفي مثل هذه البيئات لا يُنظر إلى المبدع على أنه قيمة يجب دعمها، بل على أنه منافس يجب إبعاده أو التقليل من شأنه، والنتيجة أن تضيع الجهود وتتوقف مسيرة التقدم.

وعندما يأتي كل طرف ليهدم ما بناه من سبقه، تضيع الخبرات المتراكمة، وتبدأ المجتمعات من جديد في كل مرة وكأنها لم تتعلم شيئاً من الماضي، بينما المجتمعات الناجحة هي التي تتعاون على البناء وتستفيد من خبرات أبنائها جيلاً بعد جيل.

ولا يقف الإنتقاص عند حدود المصالح المادية فقط، بل يمتد إلى ما هو أخطر من ذلك، وهو القيم والأخلاق، فعندما يتخلى المجتمع عن ثوابته الأخلاقية والروحية وتقاليده الأصيلة، فإنه لا يمارس الحرية كما يظن البعض، بل يفقد جزءاً مهماً من الأساس الذي يقوم عليه، فالأخلاق والقيم والوازع الديني ليست أموراً وُجدت مصادفة، بل هي ميراث طويل ساهم في بنائه الأنبياء والحكماء والمصلحون عبر أجيال متعاقبة، بهدف حماية الإنسان والمجتمع من الإنحراف والتفكك.

إن بناء الأرض لا يتحقق بالمال والتكنولوجيا وحدهما، لأن الإنسان لا يعيش بالاحتياجات المادية فقط، فكما يحتاج إلى المسكن والطعام، يحتاج أيضاً إلى الضمير والقيم والمعنى، ولهذا فإن الحفاظ على الهوية والأخلاق ليس ترفاً، بل ضرورة لحماية إنسانيتنا.

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن المدنية ليست هي الحضارة، فالمدنية تتمثل في المباني والطرق والتكنولوجيا ووسائل الراحة، أما الحضارة الحقيقية فهي الإنسان الذي يستخدم كل هذه الوسائل بعلم وأخلاق ومسؤولية، فإذا انشغلنا ببناء الأبراج والمدن الحديثة وأهملنا بناء الإنسان وتعليمه وتهذيبه، اختل الميزان كله، وأصبح لدينا عمران ضخم من الخارج، لكنه ضعيف من الداخل.

وفي النهاية يبقى السؤال الأهم، هل نحن نضيف إلى الحياة ما يجعلها أفضل، أم ننشغل بالإنتقاص مما بناه الآخرون؟ فالأمم ترتقي بما تضيفه من خير وعلم وقيم، وتسقط عندما يتحول الهدم إلى ثقافة، والإنتقاص إلى أسلوب حياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى