انتشار الكلاب .. بقلم: الزهرة العناق

انتشار الكلاب ليس ظاهرة مادية محصورة في الشوارع والأحياء فحسب، بل هي إشارة رمزية إلى تشابك القيم، وانعكاس لحالة الوجود الإنساني في عالم يزداد فيه التناقض.
الكلب في جوهره ليس مجرد مخلوق يسير على أربع؛ بل هو كيان يحمل في طياته معاني الولاء والخضوع، وفي الوقت ذاته يعكس الفطرة التي ترفض الانصهار في النظام البشري المنضبط.
هل وجود الكلاب بيننا هو تذكير دائم بأن البشر فقدوا بعضا من قيمهم؟
الكلب بما يمثله من إخلاص بلا حدود لصاحبه، بات صورة ناقصة لقيمة الوفاء التي أخذت تتلاشى بين البشر. كيف لجارحة مروضة أن تعلم الإنسان ما فقده من معان أصيلة؟ وهنا تكمن المفارقة: من كان يجب أن يهذب الآخر؟
من جهة أخرى ، يثير موضوع انتشار الكلاب في المساحات العامة تساؤلا حول حدود الحرية والتداخل بين العوالم المختلفة. أليس في انتشارها بين البشر نوع من الفوضى المدروسة التي تعكس عدم قدرة الإنسان على فرض هيمنته الكاملة على الطبيعة؟
الإنسان، رغم ما أوتي من أدوات السيطرة، يظل عاجزا عن تنظيم وجود مواز ينمو خارج إرادته، تماما كما تعجز الأنظمة عن ترويض الفوضى الفكرية التي تنشأ في هامش المجتمعات.
إن الكلاب، بما تحمله من غرائز بدائية ورغبة في البقاء، ترمز إلى الوجه الآخر للوجود: الجانب الذي لا يقبل قوانين البشر ولا يخضع لمفاهيم السلطة والملكية. هذا الوجود الطليق يدعونا إلى التساؤل: هل نعيش في انسجام مع ذواتنا الحقيقية، أم أن قناع الحضارة أغرقنا في نزاعات لا تنتهي؟
وهل فقدنا جزءا من حريتنا حين حبسنا أنفسنا في إطار من القيود التي زعمنا أنها تحمينا؟
انتشار الكلاب يشير إلى خلل ما في نسيج العلاقات الإنسانية. ففي عالم تهيمن فيه الفردية، يبدو أن الكلاب باتت أقرب للبشر من بعضهم، إذ يجد فيها الإنسان الصحبة التي يفتقدها بين أقرانه. وإذا كانت الكلاب تجسيدا للوفاء البسيط، فإن وفاء الإنسان أصبح مشروطا بمصالح معقدة، مما يجعل تلك العلاقة الصافية بين الإنسان والكلب تذكيرا مؤلمًا بفقدان الصفاء بين البشر.
وهكذا، يبقى انتشار الكلاب ظاهرة تستدعي التأمل العميق في معنى الوجود الإنساني. فهي ليست مجرد مشهد اعتيادي في الأزقة والشوارع، بل انعكاس لفجوات في القيم، وتعبير عن صراعٍ أبدي بين الحرية والفوضى، الوفاء والخيانة، الطبيعة والحضارة. إنها دعوة غير مباشرة لإعادة التفكير في علاقتنا مع ذواتنا ومع العالم من حولنا، لعلنا نجد في هذا التأمل ما يعيد إلينا شيئا من إنسانيتنا المفقودة




