كان يجيب دعوة من دعاه ولو كان فقيرا

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

إن الحمد لله الخافض الرافع نحمده أن أنزل القرآن على الناس يتلى وأذهب به عن الأرواح المواجع، يا ربنا لك الحمد على كل حال وواقع، اللهم إنا نشهدك على أنفسنا بأننا نشهد بأنك أنت الله رب كل شيء ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، محمد عبدك ورسولك، اللهم صل وسلم وبارك عليه واجعل له صلاتنا وديعة يا من لا تضيع عنده الودائع، وبعد عباد الله اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ثم أما بعد لما جدّت قريش في طلب النبي المصطفي محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه بحثوا عنهما في كل مكان وإنتهوا إلى باب “غار ثور” فوقفوا عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسمعان كلامهم فوق رؤوسهما، ولكن الله سبحانه عمّى أبصارهم عن رؤيتهما، فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله.

لو أن أحدهم نظر ما تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ” متفق عليه، وقد قال الله عز وجل في كتابه “إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها” وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواضعا مع الناس، ومن شدة تواضعه أنه لا يُعرف من بين أصحابه رضي الله عنهم، فلا يتميز عليهم بملبس أو مركب أو مجلس، كما هي عادة الكبراء والأغنياء، وإذا جاء الغريب ما عرفه من بينهم حتى يسأل عنه، كما روى أبو ذر وأبو هريرة رضي الله عنهما فقالا “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل” رواه أبو داود. 

ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكره أن يقوم الناس له كما هو شأن أهل الدنيا، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه “ما كان شخص أحب إليهم رؤية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك ” رواه أحمد، ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه يجيب دعوة من دعاه ولو كان فقيرا، ويقبل من الطعام ما كان يسيرا، ولا يشترط في ذلك، أو يغضب من دعوة يراها أقل من حقه، فكان صلى الله عليه وسلم يقول ” لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت ” رواه البخاري، والكراع من الدابة ما دون الكعب، وكان صلى الله عليه وسلم لا يمل من ذوي الحاجات، بل يستمع إليهم، ويقضي حاجاتهم، فيجيب السائل، ويعلم الجاهل ويرشد التائه ويتصدق على الفقير، ولا يرد أحدا قصده في حاجة.

وكان أصحابه رضي الله عنهم يتبركون بالماء يغمس يده الشريفة فيه، فما يردهم، ولا ينزعج من كثرة طلبهم، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه “كان إذا صلى الغداة جاءه أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه” رواه البخاري، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه “أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال يا أم فلان، انظري أيّ السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها ” رواه مسلم، وقال النووي ” خلا معها في بعضِ الطرق ” أي وقف معها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها ويفتيها في الخلوة، ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها لأن مسألتها مما لا يظهره ” وفي ذلك بيان لتواضعه صلى الله عليه وسلم بوقوفه مع المرأة الضعيفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى