بغية كل مؤمن ومطلب كل مسلم .. بقلم الكاتب / محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه والتابعين، أما بعد اعلموا يرحمكم الله أن اليقين بالله عز وجل من أعظم النعم، وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قبل العافية في المرتبة، ويقول ابن مسعود كما عند البخاري “اليقين الإيمان كله” ويقول ابن قيم الجوزية ” واليقين من منازل ” إياك نعبد وإياك نستعين ” ومن قال إياك نعبد وإياك نستعين امتحنه الله باليقين” فلنعلم أيها الناس أننا إن ضعف التوكل عندنا فإننا إنما أتينا من ضعف يقيننا، فإذا قوي يقيننا ورسخ في قلوبنا قوي توكلنا على الله في كل أمور حياتنا، إذا إكتمل الإيمان واليقين في قلوبنا توكلنا على الله وفوضنا الأمر إليه في محاربة الأعداء، وفي جلب النفع ودفع الضر.

وفي قضاء الحوائج وفي طلب الرزق وغير ذلك من أمور يبتلي الله سبحانه بها الإنسان، لينظر مقدار توكله على الله سبحانه، ومن أعظم الخلق توكلا على الله هم الأنبياء عليهم السلام، ويروي البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية الكريمة قال “حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل” وهذا اليقين هو بغية كل مؤمن ومطلب كل مسلم لأنه يجد في رحابه راحة نفسه وطمأنينة قلبه، وسعادة روحه، ومنشأ هذه الراحة والسعادة أن الإنسان قد عرف في ظله من خلقه ولماذا خلقه وما هو مصيره بعد الموت، لذلك إرتاح عقله من الفكر وقلبه من الشك وعندها يتوجه إليه بالعبادة ويخصه بالطاعة.

إن أكثر شيء يشوش على الإنسان عقله وقلبه أن لا يعلم خالقه ولا لماذا خلقه لذلك يظل يتيه في أودية من الشكوك ويتردد في متاهات من الظنون وهذا ما تجده عند الملحد الذي أنكر وجود ربه وجحد نعمه عليه فيظل في صراع مع الشك والقلق إلى أن تكون نهايته في كثير من الأحيان إلى الإنتحار، لذلك كان أكثر ما يحرص عليه المؤمن أن يبحث عن الوسائل التي تقوي يقينه بربه وتملأ قلبه إيمانا به وتصديقا، وأول هذه الوسائل وأهمها هو التفكر في مخلوقات الله عز وجل، وإن من أعظم الدلائل على وجود الله عز وجل هو مخلوقاته التي أبدعها ونسجها على أكمل وصف، وأبدع نظام، فمن يتأمل في هذا الكون بشموسه وأقماره وبحاره وأنهاره، ونباتاته وأشجاره ويتأمل ما فيه من تنوع المخلوقات وتباين الكائنات، يدرك لا محالة أن من رواء هذا كله إلها خالقا مدبرا حكيما.

خلق هذا الكون بعلمه وقدرته ونظمه بحكمته ومشيئته، فكل شيء فيه بحساب، وكل ذرة فيه بمقدار وله قوانين صارمة تحكمه وتسيره بدءا من الذرة إلى المجرة، وأنه يستحيل أن يكون هذا الكون كله أتي من لا شىء كما يزعم أهل الإلحاد، وإن هذا أقرب إلى الجنون، بل هو الجنون بعينه، وإن من بديهيات العقول أن لكل مسبب سبب، ولكل حادث محدث ولكل موجود موجد فهذا حكم العقل في أقل الأشياء وأحقرها، فما بالكم بهذا الكون الكبير الذي كل شىء فيه يسير بنظام محكم وضبط دقيق، وإن التفكر في هذه المخلوقات سيقودك حتما إلى اليقين الجازم بوجود الله عز وجل وسيملأ قلبك بإجلاله وتعظيمه، لذلك أمرنا الله عز وجل بالتفكر الدائم في مخلوقاته والبحث الدؤوب في أسرار صنعته، وبين أن أصحاب العقول الواعية والألباب الزاكية هم الذين يتفكرون في آياته

ويتأملون بديع صنعها ودقة تكوينها، ولما كان التفكر بهذه الأهمية فإن الله عز وجل أكثر من الإستدلال به في محاجة المشركين به والمنكرين ألوهيته، لكي يردهم إلى الحق ويأخذ بأيديهم إلى طريقه المستقيم، وكذلك التفكر في خلق الإنسان من أكبر الأدلة على وجود الله عز وجل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى